كلمات إرشادية في بيان أهداف الشبكة البتكوينية وكيفية التعامل معها في المعاملات المالية

مؤلف الطالب معاوية إحسان تكر
View English Translation
View PDF version
Jump to Q&A

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد الله رب العالمين ملك الدينا ومالكها, مدبر الحياة بحكمه ومقسم الأشياء بقسطه والصلاة والسلام على رسوله الكريم المبعوث بعدالة الإسلامِ المرسل برسالة الإيمان رحمةً للعالمين ومرشداً للقاصدين أما بعد:

في عام ٢٠٠٩، نبتت في فضاء الإنترنت شبكة جديدة، ذات هدف نبيل: "تسهيل إرسال الأموال من شخص لآخر بطريقة تقطع دابر التحكم الخارجي". ها هنا مجموعة من الأسئلة والأجوبة، تنير دربكم في فهم هذه الشبكة، سواء في معناها أو استخدامها مع أحكامها الشرعية.

قبل الغوص في بحر الأحكام المرتبطة بشبكة بتكوين، من الضروري تسليح أنفسنا بسيف المعرفة حول القواعد والمعلومات الأساسية المتعلقة بهذه الشبكة الرقمية.

Image

القاعدة الأولـى حكم الشيء فرع عن تصوره.

هناك كثيرٌ من الناس زلّت أقدامهم في الحكم على هذه المسألة، جرّاء ضبابية في فهمهم. لذا، أولى خطواتي في هذه الرسالة هي تبديد هذا الغموض، وإيضاح جوهر الشبكة بأسلوب شفاف، حتى يقف القارئ على أرض صلبة في فهمها.

,القاعدة الثانية الأصل في الأشياء في اللأمور الدنيوية الإباحة.

إن هذه القاعدة من أهم قواعد هذا الفصل ومبدأ الحوار فيه. لقد أخطأ كثير حينما سؤل: "ما الدليل على أن بتكوين حلال؟".  قد قال الله تعالى:

"هُوَ الذي خَلَقَ لَكُمْ ما في الأَرْضِ جَمِيْعاً"

ومن هذا القول استنبط العلماء أصلاً في فقه المعاملات:

إن كل شيء مباح في أصله حتى يرد دليل على خلاف ذلك.

فمن يقر بالحلّ يستند إلى هذا الأصل، وعلى المعارض أن يقدم أدلة المنع. إن مخالفة الأصل بدون دليل صحيح معتبر أمر أشد من التمسك بالأصل مع الجهل بأوجه المنع الصحيحة.

القاعدة الثالثة الأحكام التكليفية يتعلق بأفعال الـمكلفين لا بالأشياء بذاتـها لكن في ثبوت الأحكام الصحة والفساد والبطلان

لذا، نبني أسئلتنا على أفعال المكلفين تجاه بتكوين، لتكون الإجابات والأفعال المترتبة عليها بينة كضوء الشمس. قد يدور السؤال حول ثبوت الحكم أو العقد، وثبوته يحمل حكماً يختلف عن الأحكام التكليفية، كالصحة والفساد والبطلان، أو يكون الأمر متعلقًا بكون الأشياء شرطًا للحكم أو مانعًا له أو سببًا له. فمثلاً، وجوب صلاة الظهر لا يثبت إلا بعد الزوال، فالزوال هنا شرط لوجوب صلاة الظهر.

القاعدة الرابعة الأصل في الإسلام جلب الـمصالـح ودرء المفاسد

في رحاب كل معاملة تتجلى مصالح ومفاسد، والدين قائم على النظر في هذه المصالح والمفاسد. عندما تتصادم المصالح ولا يمكن جمعها جميعًا فيقدم أعلى من المصالح قدر الاستطاعة. وبالمثل، عند تدافع المفاسد ولا بد من فعل قدر منها يختار أهونها وأقلها ضررًا بقدر الإمكان.

تصحيح التصور

Image

قبل الخوض في ميادين الأحكام المرتبطة بهذه الشبكة، لا بد من تسليط الضوء على جوهرها وشرح معاني بعض المصطلحات الأساسية المتعلقة بها.

كما في الحياة اليومية، حيث يلتزم الناس بعادات وتقاليد معينة في الزواج أو التجارة أو تصحيح الأخطاء بينهم لتسهيل التفاعلات، كذلك في عالم الحوسبة، تحتاج الأجهزة الكمبيوترية إلى مجموعة من القواعد المتفق عليها لتسهيل التواصل بينها. هذه القواعد المعروفة بالبروتوكولات والمراسم، تعمل كإرشادات للتفاعلات الرقمية. كل نوع من أنواع التعامل يتطلب بروتوكول خاص به. مثلاً، لإرسال البريد الإلكتروني، نستخدم بروتوكول SMTP، الذي يتضمن سلسلة من الخطوات والإجراءات التي يجب على الأجهزة اتباعها للمشاركة في الشبكة. إذا خالف جهاز كمبيوتر خطوة واحدة من هذه الخطوات، فلن يتمكن من استقبال أو إرسال البريد الإلكتروني. ومثال آخر هو بروتوكول HTTP، المستخدم لتحميل مواقع الإنترنت.

كما يستخدم بروتوكول SMTP لإرسال البريد الإلكتروني، وبروتوكول HTTP لتحميل صفحات الإنترنت، فإن شبكة بتكوين تستخدم بروتوكولًا خاصًا بها لنقل القيمة المالية من شخص لآخر دون الحاجة إلى إذن طرف ثالث. لتحقيق هذا الهدف، تستعين الشبكة بمجموعة من الأجزاء والتقنيات التي سنوضحها هنا لضمان فهم صحيح وشامل.


بلوك تشين أو تسلسل الـكتل

كل عشر دقائق تقريبًا، يقوم أحد الأجهزة حول العالم بتجميع التحويلات المالية في وحدة معلوماتية تُعرف بالكتل (Block/بلوك). يتم إدراج جزء من المعلومات من آخر كتلة سابقة في كتلة جديدة، لربط الكتلة الجديدة بالقديمة، وبهذه الطريقة تُشكَّل سلسلة الكتل، حيث يتصل كل كتلة بالكتلة الذي يسبقه. يُشبه هذا الأسلوب منهج الإسناد في الحديث النبوي، حيث يتم تتبع مصدر كل حديث ومن نقله. لكن، في حين يُستخدم الإسناد في علم الحديث لتحديد صحة الحديث وضعفه، الهدف من هذه التقنية في بتكوين هو التأكد من انتقال الأموال من مكان لآخر وضمان عدم إمكانية تغيير التحويلة بعد إثباتها.


Image

الدفتر الـموزع 

كل الكتلة المتسلسلة في شبكة بتكوين تُسجل في ما يُعرف بالدفتر الموزع. يُطلق عليه هذا الاسم لأنه، كما أوضحنا سابقًا، يعتمد بروتوكول بتكوين على تفاعل آلاف الأجهزة الحاسوبية على الإنترنت، حيث يتبادل كل جهاز المعلومات والتحويلات مع الآخر. كل مشارك في الشبكة يُسجل جميع التحويلات منذ بداية الشبكة إلى يومنا هذا. الشرط الأساسي للتعامل في الشبكة هو أن يكون لدى كل مشارك دفتر (وهو مجموعة التحويلات والكتل) مطابق للدفاتر الموجودة لدى الأجهزة الأخرى. لتقريب الفكرة، يُشبه الأمر توزيع حفظ القرآن حول العالم، حيث يكون القرآن المحفوظ في جنوب أفريقيا مطابقًا حرفًا للقرآن المحفوظ في الصين. لإفقاد القرآن من العالم، يتطلب ذلك القضاء على كل حافظيه، ولكن الحفاظ منتشرون في شتى أنحاء العالم ولا يُعرف مكانهم جميعًا. بالمثل، دفتر شبكة بتكوين منتشر حول العالم، مما يصعب فقدانه أو تعديله.

الهدف من هذه التقنية هو إلغاء الحاجة إلى الثقة في الأطراف الأخرى وحماية الدفتر من التلاعب. نستخدم اليوم شبكات البنوك في تحويلاتنا المالية، وهذه الشبكات تقوم على ثقتنا بهم. فعندما يُبلغنا البنك برصيد حسابنا، نثق في صحة ما يقوله ونثق أنهم سيردّ إلينا مالنا عند الحاجة ونثق بأن المال موجود أصلاً. لكن هدف شبكة بتكوين هو أن تعرف مبلغ حسابك دون الحاجة إلى الاستعلام أو الثقة بأي شخص في العالم، بل تتحقق من التحويلات بنفسك. كيف يتم هذا التوثيق؟ يتم ذلك من خلال عملية رياضية.


Image

تعدين الـكتل 

كما أشرنا سابقًا، كل التحويلات المالية في شبكة بتكوين تُسجّل في كتلات متسلسلة تُجمع في دفتر موزع حول العالم. لكن، كيف يركب تكوين هذه الكتلات؟ أي شخص في العالم يستطيع تجميعَ التحويلات في كتلة وربطَها بواسطةٍ معلومةٍ من كتلة سابقة، لكن هناك رقم معين مهم لا يعرفه أحد. هذا الرقم يجعل الكتلة مقبولةً لدى جميع المشاركين في الشبكة، ولا تُقبل الكتلة بدونه. هناك عدد كبير من الأجهزة تتنافس لإيجاد هذا الرقم ليكمّل الكتلة وليجعلها صحيحةً، ومن يجدْه يفزْ بمبلغ من المال. هذه العملية ليست حلّ معادلة، بل تنافس في البحث عن ذلك الرقم. من باب التقريب خذْ هذا المثال إذا كتبْتَ بيتاً من الشعرِ إلا آخر كلمة في البيت, وقلتَ "مَنْ جاءني بالكلمة الخيرة المناسبة للوزن والمعنى والقافية فله جائزة". لا توجد معادلة رياضية تعطيك هذه الكلمة؛ بل يجب البحث والتجربة والتفكير حتى يستقيم البيت وتفوز بالجائزة.

الغاية من هذا النظام هو ضمان صحة الكتلات بحد ذاتها، من دون الحاجة للادعاءات أو الثقة بالآخرين. سواء وجد الرقم شخص صادق أمين صالح أو كاذب خائن فاسق، فلا تأثير لطبيعة الشخص على صحة الكتلة مع هذا الرقم، لأن العملية تعتمد على الحسابات الرياضية. كل شخص في العالم يمكنه التحقق والتأكد من صحة الرقم بنفسه.


Image

التحويلات

كل من يرغب في استخدام شبكة بتكوين لإرسال الأموال، فلا بدّ أن يمتلك مفتاحًا سريًا. بواسطة هذا المفتاح، يمكن للمستخدم استلام الأموال وإرسالها إلى الآخرين. 

الغرض من هذا التصميم هو جعل الشبكة متاحة للجميع. لا تُميِّز الشبكة بين المُرسل والمُستقبِل أو المبلغ المرسل. الهدف الأساسي للشبكة هو عدم التفريق بين المستخدمين؛ فإذا أريد للعملة أن تكون متداولة عالميًا، لا يمكن تحقيق ذلك إذا كانت الشبكة مفتوحة لبعض الناس ومغلقة أمام الآخرين.


Image

الخلاصة

هناك خطوات وتقنيات أخرى متعلقة بهذه الشبكة، لكن قمنا بتوضيح وشرح الأهم منها للتأسيس لما سيتم مناقشته فيما يلي.

مجموعة الأسئلة والأجوبة في شبكة بتكوين

١) هل بتكوين حلال؟

هذا السؤال يتطلب بياناً دقيقاً وتوضيحاً. عندما يُسأل: هل لحم الخنزير حلال؟ السؤال واضح لأن الاستخدام الغالب لأي نوع من اللحوم هو في الأكل. لكن بتكوين تقنية جديدة يجب أن نحدد بدقة المقصود من السؤال لتجنب الخلط واللبس.

٢) شبكة بتكوين هي مجموعة من الأجهزة الحاسوبية والحواسب الآلية التي تعمل معًا على نشر الدفتر الذي يحوي الكتلات والتحويلات. السؤال هو: هل يجوز استخدام البرنامج الذي يقوم بتنزيل نسخة من هذا الدفتر وينشره للآخرين، مما يتيح الفرصة للرجوع إليه والاطلاع على ما فيه من التحويلات؟

نعم، يمكن مقارنة استخدام هذا البرنامج مع أي برنامج آخر يُستخدم لتنزيل المعلومات، طالما أن محتوى الدفتر لا يسبب ضررًا لمن ينزله أو يطلع عليه. في الغالب، لا يُعرف مُرسل الأموال أو المُستقبِل أو السبب وراء التحويل، وحتى إذا كانت هذه المعلومات معروفة، فلا ضرر فيها لأنها تصبح جزءًا من التاريخ. لذا، لا بأس في تشغيل هذا البرنامج واستخدامه للإطلاع على التحويلات، كما يُسمح بالاطلاع على كتب التاريخ. ويُعتبر نشر الدفتر والمعلومات الموجودة فيه للآخرين أمرًا جائزًا، بل قد يكون من الأفضل تشغيل البرنامج إذا كنت ترغب في استخدام الشبكة لتتمكن من التحقق من التحويلات بنفسك. هذا مبني على أنّ أصل الأشياء الإباحة وليس فيه أن مانع فيه.

٣) عند تكوين الكتل في شبكة بتكوين، هناك عملية بحث عن رقم مهم يُستخدم لتصحيح الكتل وأيضًا للفوز بجائزة تتضمن مكافأة ورسوم التحويلات. السؤال هو: هل يجوز البحث عن هذا الرقم؟

نعم، هو جائز. هذا العمل يُعتبر نوعًا من الجعالة، وهي عرض مكافأة محددة مقابل إتمام عمل مباح، حتى لو كان العمل نفسه غير معروف بشكل دقيق. مثل شخص يقول: "من وجد ساعتي الضائعة فله كذا من المال"، أو "من وجد محفظتي فله نصف ما فيها"، أو كما ذكرنا سابقًا: "أول من يأتِ بالكلمة الختامية المناسبة للوزن والمعنى والقافية في هذا البيت من الشعر فله جائزة". في حال شبكة بتكوين، يُقال: "أول من وجد الرقم المهم لصحة الشبكة والكتل وينشره في العالم، فله كذا من بتكوين". ليس هناك مانع في هذا العمل سوى العثور على ذلك الرقم المهم.

من هنا تبرز أهمية الرقم المعروف بـــ"نوْنْس" (nonce)، والذي يعني "الرقم الذي يُستخدم مرة واحدة". لكل كتلة في شبكة بتكوين رقم خاص به، ولا يمكن الافتراض بأن رقمًا صحيحًا لكتلة سابقة سيكون صالحًا لكتلة لاحقة. لذا، يُطلب إجراء بحث جديد ومستقل لكل كتلة. البحث عن هذا الرقم قد يكون صعبًا جدًا، لكن متى ما وُجد، يُصبح التحقق من ملاءمته وصحة الكتلة معه أمرًا سهلًا. بفضل هذه الأرقام، تُحافظ الشبكة على استقامتها ويمنع التلاعب بالدفتر ويُسهل التحقق من الدفتر الموزع.

بالنسبة للتحويلات داخل الكتلات في شبكة بتكوين، غالبًا ما يكون المُرسل والمُستقبل غير معروفين، لأن الشبكة مفتوحة للعالم كله، من جنوب أمريكا إلى شمال الصين. لذلك، كل تحويلة تُعامل بالتساوي ويجوز إدخالها في الكتل، كما يجوز بيع السلع لأي شخص في السوق دون التفتيش أو الاستجواب. هذا الأمر جائز حتى ولو كانت التحويلة ناتجة عن معصية كالسرقة، لأن إدخالها في الكتل قد يساعد في كشف المجرم واسترجاع المال المسروق وما أشبه ذلك، وكما يُقبل البريد الإلكتروني الذي يحتوي على جريمة ويُستخدم في المحاكم لإثبات الجرم. منع إدخال التحويلة في الكتل قد يؤدي إلى ضياع المال، وضياع المال حرام. يُذكر أن عدد بتكوين في العالم لا يتجاوز 21 مليون بتكوين فقط، وإذا منعنا كل بتكوين يُستخدم في جريمة، فسيؤدي ذلك إلى فقدان المال بشكل كامل، وهذا يُعد ضياعًا وفسادًا أكبر. شبكة بتكوين تُسجل كل تحويلة وتداول من مرسل إلى مستقبل، وهذا يُمكّن من كشف أصحاب الجرائم.

٤) إذا أردت بيع سلعة، فالسؤال هو: هل يجوز قبول بتكوين كمقابل مادي لها؟

نعم، يجوز قبول بتكوين كمقابل مادي عند بيع سلعة لأن الأصل في البيع والشراء هو الإباحة، ولا يوجد مانع شرعي في قبول ما هو مرغوب فيه وغير محظور أصلاً. بتكوين تُعد تقنية ووسيلة لنقل الثمن، يمكن تملكها وتداولها. الطريقة المتبعة لاستلام بتكوين بأن تعلن المرسل رسالة موقعة إعلاناً إلى جميع المشاركين في الشبكة بأنه  يرسل مبلغًا معينًا في عنوان محدد، ولا يوجد محظور في إرسال هذه الرسالة. على النقيض من ذلك، الأوراقُ النقدية التقليدية من أجل أنه مبني على محرم. إنشاء الأوراق النقدية المعروفة يكون بإنشاء دينٍ ربويّ ولا يصدر إلا بذلك ما عدا فئة يسيرة جداً لا يعتبر لقلّته. إنشاء النقود الورقية يتم بالربا، وإلغاؤها يتم بسداد الديون الربوية، وغالبية طرق تداولها تتم من خلال البنوك الربوية وبالتقابض بين البنوك عبر عقود مشبوهة.

٥) هل علي  زكاة فيما عندي من بتكوين؟

نعم، يجب الزكاة على من يحوز النصاب في بتكوين بذاته أو إذا جُمعت قيمته مع ما يمتلك من ذهب وعملات ورقية، ويلزمه أداء ربع العشر كل عام لأي فئة من فئات المستحقين للزكاة.

إذا اخترت أداء الزكاة بعملة أخرى غير بتكوين، فتقدم ما يوازي ربع العشر في تاريخ وجوب الزكاة. على سبيل المثال، إذا كانت لديك مائتا بتكوين (BTC ٢٠٠)، فتكون الزكاة خمسة بتكوين، وإذا كان سعر بتكوين الواحد ألف (١٠٠٠) بعملتك المحلية، فتدفع خمسة آلاف (٥٠٠٠) من عملتك.

في حال التأخير بدفع الزكاة نسيانًا، يجب عليك أداء ربع العشر عند التذكير. وإذا تغير سعر بتكوين، وأردت أداء الزكاة بعملتك، فأدِ المبلغ المقرر في وقت وجوب الزكاة، سواء كان سعر بتكوين ارتفع إلى عشرة آلاف (١٠,٠٠٠)  أو نزل إلى ألفين وخمسمائة (٢,٥٠٠) كما هو الحال في الذهب والفضة.

يتم تحديد نصاب بتكوين استنادًا إلى نصاب الذهب لا الفضة، لتماثل قيمته مع قيمة الذهب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، بينما انخفضت قيمة الفضة بشكل كبير. فقد كانت قيمة الشاة مثلاً في عهد النبي نصف دينار (١٫٢) أو خمسة دراهم (٥) ، واليوم يكون قيمة الشاة تقارب نصف دينار (١٫٢)، والدينار من ذهب، بينما قيمة الشاة مثلاً في الدرهم اليوم تعادل حوالي خمسين درهمًا (٥٠) والدرهم من فضة. لذلك، يعتمد الغنى على الذهب.

٦) هل يجوز أن يعطي بتكوين إلى شخص آخر ديناً مع أنّ قيمته قد يرتفع أو ينقص باعتبار عملة البلد؟

يجوز تقديم بتكوين للآخرين كدين، وذلك بالرغم من تقلب قيمته مقارنةً بعملة البلد، كما هو الحال مع الذهب والفضة والعملات الأخرى. ففي كثير من الدول، يتم أخذ الديون بالدولار الأمريكي، على الرغم من التذبذب في قيمة عملتهم المحلية مقارنة به، وقد تكون هذه التقلبات أكبر مما يحدث مع بتكوين، كما شاهدنا في لبنان والأرجنتين وتركيا.

صحيح، إذا أُقرض بتكوين لأجل مسمى وحان وقت الأداء، يحق لصاحب الدين المطالبة بسداده. إذا ادعى المدين العسر وكان صادقًا في ذلك، فالإسلام يوجه إلى التعامل برحمة وصبر، كما قال الله تعالى:

"وَإِن كَانَ ذُو عُسرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَیْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا۟ خَیرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ"

هذا يعني أنه إذا كان المدين غير قادر على السداد، يُفضل منحه مهلة حتى يتيسر له ذلك، والتصدق بالدين قد يكون أفضل إن كان المُقرض قادرًا على ذلك.

الغاية من إعطاء الديون هي المساعدة، وليس من العدل تحويلها إلى وسيلة لتحقيق الربح أو فرض ضغوط زائدة على المدين. كما نصح شيخي عبد اللطيف الحمد وهو أستاذ في الجامعة الإسلامية بالمدينة، "إذا قررت إقراض صديقك، يجب أن تكون مستعدًا لإمكانية عدم استرداد الدين، وإذا استرددته، فهذا يعتبر بركة".

وإذا شك صاحب الحق في صدق المدين واعتقد أن لديه مالًا، فله الحق في رفع الأمر إلى القاضي ليستعيد حقه. للفقه تفاصيل معينة في هذا الشأن يجب الرجوع إليها.

٧) بعض الناس لا يحسن محافظة ما عندهم من بتكوين فيعطيه من يحافظ عليه من مركز أو منصات التبادل أو أحد من أسرته أو أصدقائه فماذا له من حقوق حينئذ؟

في الإسلام، الفرق بين الدين والوديعة واضح. الدين يتضمن إعطاء المال لشخص، فيصبح هذا المال ملكًا له ويتحمل المدين مسؤولية سداد قيمته. يُسمح للمدين باستخدام هذا المال في التجارة، مثلما يحدث في البنوك الربوية حيث يصبح الإيداع في الحساب دينًا للبنك ويترتب عليه الربا.

أما الوديعة، فهي إيداع المال للحفظ فقط دون أن يتمكن الشخص الذي يحتفظ به من استخدامه في التجارة أو أي نشاط آخر.

عند وضع بتكوين في منصات التبادل، يجب على الشركة عدم استخدام بتكوين المودع في أنشطتها التجارية أو كضمان أو في أي من أعمالها كما حدث في شركة إف تي إيكس (FTX). يمكن للمنصات فرض رسوم مقابل الحفظ وتنفيذ عمليات الصرف لأصحاب بتكوين.

إذا وُضع بتكوين لدى أحد أفراد العائلة أو الأصدقاء، يجب التأكد من قدرتهم على حفظه بشكل آمن، فإن لم يكن يمتلك القدرة على الحفاظ عليه لجهلٍ فعلم ذلك فلا يضمن لأنه تفريط من صاحب بتكوين.

في حال التلف أو السرقة أو الضياع في منصات التبادل أو عند من يحتفظ بالوديعة، يتحمل الضمان إذا كان هناك تقصير في الحفظ. لكن، إذا اتخذت جميع الإجراءات اللازمة لحفظ بتكوين بشكل آمن ومع ذلك حدث التلف، فلا يتحمل الضمان.

إذا مات الشخص الذي يحتفظ بالوديعة ولم يترك وسيلة لإعادة بتكوين لصاحبه، فتصبح هذه الأموال دينًا في تركته يتم تسديده من ميراثه من أجل تفريطه إن صح أنه فرّطَ.

٨) هل يجوز أن أقرض شخصا آخر ديناً في بتكوين وأطلب منه الزيادة على أنه ليس من الذهب أو الفضة الذان يمنع منهما الربا؟

بخصوص إقراض شخص آخر دينًا في بتكوين مع طلب زيادة، فهذا غير جائز، لأن بتكوين يعتبر نقدًا ذو قيمة معروفة بين الناس ومماثلًا للذهب والفضة في قابليته للتبديل والاستبدال والتعويض، ويستخدم في التبادل والتجارة، وبالتالي كل ما يعمل عمل النقود بالصفات المذكورة يعتبر مثل الذهب والفضة فيما يتعلق بتحريم الربا. أخذ زيادة على الدين في بتكوين يعد ربًا.

المعلوم في كتب الفقه أن العلماء اختلفوا في الربويات وأسباب الربا. ذلك الخلاف مبني على الحديث

عن أبي سعيدٍ الخدري -رضي الله عنه- عن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- قال: (الذَّهَبُ بالذَّهَبِ، والْفِضَّةُ بالفِضَّةِ، والْبُرُّ بالبُرِّ، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ، والتَّمْرُ بالتَّمْرِ، والْمِلْحُ بالمِلْحِ، مِثْلًا بمِثْلٍ، يَدًا بيَدٍ، فمَن زادَ، أوِ اسْتَزادَ، فقَدْ أرْبَى، الآخِذُ والْمُعْطِي فيه سَواءٌ.

الظاهرية اعتبروا أن الربويات مقصورة على ما ذُكر في الحديث، استنادًا إلى رأيهم بأن الشريعة غير معللة أو أن علل الأحكام غير مدركة، لذا يقتصرون على المذكور فقط. لكن العلماء الآخرين اجتهدوا في معرفة العلة لفهم حكمة الحكم وما يدخل فيه من الأشياء غير المذكورة في النص. فمنهم من ذهب إلى أن أسباب الربا تكمن في الوزن أو الكيل، مثل بيع وشراء الذهب والفضة بالوزن والبر بالكيل. ومنهم من ذهب إلى أن الأسباب تتعلق بالكيل في المأكولات والثمنية، كبيع وشراء التمر بالكيل والذهب والفضة لأنها تستخدم لتبادل الثمن. وإذا نظرنا إلى هذه الآراء، نجد أن قابلية الاستبدال هي ما يجمع بينها، وهي تعطي الفرصة لاستخدام الأشياء في التبادل والتجارة. وعبر التاريخ، كل ما ذُكر في الحديث كان يستخدم لتسهيل التجارة والتبادل. وكلما زالت إمكانية التوازن، زالت دعوى الربا، فبذلك لا يجري الربا في الجوالات والبطيخ لأنه غير قابل للتجزء إلى أجزاء متساوية في الثمن والمادة فبذلك لا يباع بالوزن ولا الكيل ولا يستخدم للتجارة.

٩) إنْ أراد أحد أن يسدد ديناً أو مبلغاً لتجارةٍ أو فاتورة فهل على المرسل قيمة الإرسال ورسومه أو القيمة والرسوم على المستقبل؟ وماذا يعمل إذا أراد المستقبل إدخال التحويلة في الكتلة التالية مباشرة مبنياً على عجلة ولم يدفع المرسلُ الرسومَ لذلك؟

إرسال بتكوين يتم بطرق متنوعة ويختلف حسب الأحوال. قد يتم عبر:

  • عن طريق منصات التبادل
  • باستخدام برامج التبادل كبرنامج بِسْق Bisq
  • عبر محافظ ذاتية مثل Opendime
  • بإعطاء المحفظة كاملة، أي تسليم مفتاح بتكوين المتكون من 24 أو 12 كلمة، (مع التنويه على عدم التوصية بهذه الطريقة).
  • في كل هذه الطرق، تقع المسؤولية على المرسل. فالرسوم المتعلقة بالتحويل عبر سلسلة الكتل، ورسوم الإرسال من منصات التبادل، ورسوم برامج التبادل، وتكلفة المحافظ الذاتية تكون على عاتق المرسل. ولكن، إذا قدم الدافع المفتاح للمتلقي وقبضه، فتكون مسؤولية إرسال بتكوين من ذلك الحساب على الآخذ.

في كل هذه الطرق، تقع المسؤولية على المرسل. فالرسوم المتعلقة بالتحويل عبر سلسلة الكتل، ورسوم الإرسال من منصات التبادل، ورسوم برامج التبادل، وتكلفة المحافظ الذاتية تكون على عاتق المرسل. ولكن، إذا قدم الدافع المفتاح للمتلقي وقبضه، فتكون مسؤولية إرسال بتكوين من ذلك الحساب على الآخذ.

الرسوم في منصات التبادل وتكلفة المحافظ الذاتية تكون ثابتة عادةً ولا تتغير بتغير أسعار الإرسال في سلسلة الكتل، مما يجنب التأخير في تأكيد التحويل. أما رسوم إرسال بتكوين مباشرةً في سلسلة الكتل تتغير بحسب الازدحام. إذا كان هناك ازدحام شديد، ترتفع الرسوم لمن يحتاج لتأكيد سريع.

إذا اتفق الطرفان على درجة الاستعجال، مثلًا إذا طلب أحدهملا بد من الإرسال والإثبات على الفورووافق المرسل على إرساله برسوم تضمن الدخول في الكتلة القادمة أو التالية، فهذا هو المتفق عليه وصار شرطاً للتبادل على قول النبي صلى عليه وسلم

"المسلمون على شروطهم"

وإذا اتفقا على تأخير لساعة أو ساعات أو أيام، يجوز دفع رسوم أقل تناسب التأخير المتفق عليه. وفي حال عدم وجود اتفاق محدد حول درجة الاستعجال وحدث نزاع بعد الإرسال، يُرجع إلى العرف العام وهو المتوسط بين الاستعجال الشديد والتأخير لأيام.

إذا أرسل بتكوين برسوم مناسبة وليست مخالفة للعرف أو للاتفاق المبرم بين الطرفين، ثم حدث ازدحام مفاجئ، فليس على المرسل دفع زيادة في الرسوم لتأكيد التحويل، استنادًا إلى قاعدة "العادة محكمة" بمعنى العرف والعادة يقوم مقام الشروط إذا لم يبيّن وحصل فيه النزاع. لاحظ أن المستقبل للتحويلة التي لم يتمّ تثبيته في الكتل يستطيع أن يعجل تثبيته.

١٠) إن اشترى أحدٌ سلعةً ببتكوين فمتى يعتبر الثمن مدفوعاً؟

البيع باستخدام بتكوين يكون ملزماً بمجرد اتفاق الطرفين، مع الاحتفاظ بحق إلغاء الصفقة قبل التفرق الذاتي (على خلاف في ذلك لمذهب الحنفية)، حتى لو لم يتم تثبيت المبلغ في سلسلة الكتل. تأكيد التحويلة في السلسلة هو إجراء تقني في الشبكة، لكن قد لا يتوافق مع الواقع الفعلي والحكم الشرعي. قد يثبت الحكم والحق في البيع قبل إرسال بتكوين، وقد لا يكون البيع صحيحاً حتى مع الإرسال. فإذا تمّ البيع وواجهت عملية الإرسال مشكلة في التأكيد داخل سلسلة الكتل، يظل المبلغ ديناً في ذمة المشتري بقيمته الأصلية. وفقاً لمذهب الحنفية، يحدثالتفرقوإلغاء خيار المجلس بالاتفاق، دون الحاجة إلى تفرق الأبدان.

إذا أراد أحد الطرفين إلغاء البيع قبل التفرق، فإن تكاليف الإلغاء أو رسوم إرسال بتكوين تقع على عاتق الطرف الراغب في الإلغاء، حتى لو لم يغادر مكان الجلسة. لكن، إذا حدثت خيانة في البيع وأراد الطرف الآخر إلغاء البيع، فتكون تكاليف الرسوم حينئذ على الطرف الذي ارتكب الخيانة.

فيما يخص البيع باستخدام بتكوين عن بعد، يحدث التفرق بإتمام البيع على الموقع أو بأي طريقة أخرى متفق عليها.

١١) هل يجوز أن أبيع وأشتري بتكوين لكي أربح في عملتي فمثلا إذا نزل سعر بتكوين أشتريه وإذا ارتفع أبيعه وآخذ ذلك الزيادة في عملتي؟

كما يمكن تحويل العملة من الأوراق النقدية إلى الذهب والفضة عند انخفاض سعرهما، ومن ثم إعادة تحويلها إلى الأوراق النقدية عند ارتفاع سعرهما، يجوز القيام بذات العملية باستخدام بتكوين. ولكن، هل هذا الفعل مفيد؟ غالبًا للعامة، يكون هذا الفعل ضارًا وغير مفيد. معظم الناس الذين يحاولون القيام بهذه العمليات لا يحققون أي ربحٍ، سواء في بتكوين أو في عملتهم الأصلية. ذلك يعود إلى أن معظمهم يتخذون قراراتهم الاستثمارية بناءً على العواطف أو الطمع، دون فهم عميق لآليات السوق. لذا، من الأفضل للشخص العادي أن يمارس عمله العادي ويتلقى راتبه أو أرباحه بــبتكوين أو الذهب أو الفضة وما أشبه ذلك من العملات المباحة. يؤدي التعامل في بتكوين بقصد الربح غالباً إلى ضياع الوقت والمال.

١٢) ما رأيك في العملات الرقمية الأخرى؟ هل يجوز استخدامها في البيع والشراء وأنواع التبادلات التجارية

لا تضعْ وقتك ومالك فيها. كل ما ذكرته ينطبق على بتكوين خصوصًا، والعملات الرقمية الأخرى تتطلب تقييمًا ونظرًا مستقلًا. في تجربتي الشخصية وجدت أن معظم هذه العملات لا يستقيم مالاً ولا شرعاً.

١٣) بعض الناس يدّعون أن الأوراق النقدية حرام  استخدامها في البيع والشراء وأنواع التبادلات التجارية وعلى المسلمين أن يستخدم بتكوين فما رأيك في ذلك؟

أصل ومنبت الأوراق النقدية وغايتها الرئيسية هي الربا. لا يمكن فصل الربا عن الأوراق النقدية، لذا يُستحسن للمسلم أن يستخدم غيرها بقدر الاستطاعة. منذ إنشاء هذه العملة، لم تكن هناك طريقة أخرى للتجارة بين الناس، خاصةً في المعاملات عن بُعد. وهناك بعض الأشخاص مضطرون لاستخدامها؛ فقد وُجِدَ من يُسجَن لمحاولته استخدام الذهب بديلاً عن الأوراق النقدية. لذا، النصيحة لكل مسلمة هي تقوى الله ما استطعتم. إذا كان بالإمكان استخدام عملة مباحة أخرى غير الأوراق النقدية، فينبغي ذلك، فهذا مرتبط بالقدرة والاستطاعة.

١٤) بعض الناس يدّعون أن بتكوين يمكن لصاحبه أن يغلق الموقع فيضيع المال فما رأيك في ذلك؟

كما ذُكر سابقاً، بتكوين هو بروتوكول وليس موقعاً إلكترونياً. أي شخص يمكنه تشغيل البرنامج وبالتالي يصبح جزءاً من الشبكة، وهناك آلاف من الأشخاص يشكلون جزءاً من هذه الشبكة. إغلاق الشبكة يتطلب إلغاء جميع المشاركين وحذف جميع نسخ الدفتر الموزع وكل المعلومات المتعلقة بسلسلة الكتل، وهو ما يشبه إلى حد ما صعوبة ضياع القرآن الكريم، الذي لا يمكن فقدانه إلا بموت جميع حفظته.

١٥) بعض الناس يدعون بأن بتكوين غرر وجهالة وبذلك حرام فما رأيك في ذلك؟

إذا أراد شخص شراء سيارة لكن صاحب السيارة منعه من معاينتها وتفحصها، ففي ذلك غرر واضح بسبب جهالة الحال الفعلية للسيارة، مما يعني عدم اليقين حول ما إذا كانت السيارة في حال جيدة أو تالفة. أما في حال بتكوين، فهو معروف بالكمية والوصف بوضوح. عندما تحصل على خمسة بتكوين، يكون قدرها وصحتها واضحة ولا يمكن تزويرها، لذلك لا يوجد فيها أي نوع من الغرر. بالنسبة لسعره، فإنه يتغير في السوق كبقية السلع. المعتبر في السعر هو الاتفاق بين الطرفين في عملية البيع والشراء.

١٦) بعض الناس يدّعون بأن بتكوين مستخدم للجرائم مثل غسل الأموال فبذلك استخدام الشبكة حرام فما رأيك في ذلك؟

نعم استخدام بتكوين في أعمال إجرامية يعتبر حرامًا كما يعتبر استخدام السكين في ارتكاب جرائم حرامًا. بتكوين آلة وأداة وأحكام الآلات والأدوات تتعلق بالنيات والأهداف. لذا، يجب استخدامه في ما هو حلال ومشروع.

١٧) بعض الناس يدعون بأن مَن وراء الشبكة مجهول فبذلك لا يجوز استخدام الشبكة فما رأيك في ذلك؟

كما أشرنا سابقًا، الغرض من شبكة بتكوين هو أن تكون مستقلة عن الأشخاص وغير قائمة على الثقة. السؤال عن مؤسس الشبكة يشابه السؤال عن مبتكر الرياضة أو الهندسة. من إنشاء الكتل والبحث عن الرقم التصحيحي لها، إلى عمليات إرسال بتكوين من شخص إلى آخر، لا يتطلب الأمر ثقة المشاركين أو معرفتهم بعكس ما يتطلبه الأمر في حال الأوراق النقدية الدولية.

١٨) ما حكم الإرث في بتكوين؟

أحكام الإرث تنطبق على بتكوين كما هي على باقي أنواع المال.  أحد خصائص بتكوين هي أنه لا يمكن التصرف فيه إلا إذا كانت لديك السلطة عليه من خلال امتلاك المفتاح الخاص أو وجوده في محفظتك. لذلك، يتوجب على كل مسلم ومسلمة توثيق طريقة يمكن من خلالها للورثة الوصول إلى بتكوين في حال الوفاة، كما هو الحال مع بقية الأموال. إذا أهمل الشخص في هذا الأمر وأدى ذلك إلى ضياع المال، يكون مسؤولاً أمام الله عن هذا الضياع وعن منع الورثة من الحصول على حقهم.

١٩) متى يكون القبض في بتكوين في مسألة ربا الفضل؟

القبض شرعاً في معاملات بتكوين يتحقق بمجرد الإرسال، وليس بالضرورة بتأكيده في سلسلة الكتل، حيث يمكن للمتلقي استخدام بتكوين المُرسل قبل تأكيده في السلسلة. إذا أرسلت بتكوين إلى شخص ما وتلقيت المقابل منه بالأوراق النقدية بشكل مباشر، فإن ذلك يعتبر قبضًا يداً بيدٍ. كما أنه إذا تلقيت المبلغ المقابل عبر تحويل بنكي وظهر في حسابك، فذلك أيضًا يعتبر قبضًا.

٢٠) سمعْتُ بشيء يسمى شبكة لايتنين بمعنى البرق وهو عبارة عن استخدام بتكوين بشكل سريع فهل يجوز استخدامه والمشاركة فيه؟

شبكة لايتنين أو شبكة البرق هي إحدى طرق استخدام بتكوين، ولفهم طبيعتها يجب معرفة هدفها. عند رغبة شخص في إرسال بتكوين إلى آخر، يجب إرسال رسالة تعلن عن هذا التبادل وانتظار تأكيدها في سلسلة الكتل، وهذا قد يستغرق وقتًا ويتطلب رسومًا قد تكون مرتفعة. لكن بتكوين برنامج يسمح بإنشاء اتفاق وعقد في سلسلة الكتل بين شخصين، حيث يمكن لكلا الطرفين إرسال بتكوين إلى عنوان مشترك ويكونان شريكين فيه، بحيث لكل طرف نصيبه.

هذا يشبه ما كان يفعله المسلمون سابقاً عند إرسال النقود إلى بلد آخر، حيث يدفع الشخص المبلغ محليًا ثم يسافر إلى البلد الآخر ويحصل على المبلغ هناك مقابل رسوم. هناك اتفاق مالي بين الشخص في البلد الأول والثاني، لكن في شبكة لايتنين، لا يعتبر الاتفاق دينًا، ويمكن إجراء التبادل بين الطرفين بسرعة وأمان دون الحاجة لإعلان كل تبادل في سلسلة الكتل.

المشاركة في شبكة لايتنين تعتبر حلالًا طالما أن كل طرف لا يخون الأمانة ولا يأخذ ما لا يستحق.

٢١) سمعْتُ بشيء يسمى ليكويد بمعنى السائل وهو عبارة عن استخدام بتكوين بشكل سريع  وبزيادة السرّية وكذلك ما يسمى فيدي مينت و تشومييون  إي كاش مثله فهل يجوز استخدامه والمشاركة فيه؟

شبكة ليكويد تعمل بطريقة مشابهة لشبكة بتكوين، ولكن الأموال الموجودة فيها تكون بمثابة سندات لبتكوين. الطريقة تتلخص في أنك ترسل بتكوين إلى أصحاب الشبكة، فيتم تخزينه ومن ثم يعطونك ما يعادله في شبكتهم. بعد استلامك للأموال من شبكة ليكويد، يصبح بتكوين المرسل دينًا، ويمكنك استرداد بتكوين الأصلي بإعادة إرسال الأموال إلى الشبكة.

هذه الشبكة تشبه الطريقة التي كانت تُستخدم في الماضي مع الذهب، حيث كان الناس يودعون الذهب في البنك ويحصلون على ورقة تعتبر سندًا للذهب. الهدف من استخدام شبكة ليكويد هو سرعة الإرسال وقدرتها على إخفاء كمية النقد المرسل، بالإضافة إلى فوائد أخرى.

استخدام شبكة ليكويد جائز شرعًا، كما كان الحال مع استخدام الأوراق النقدية عندما كانت مغطاة بالذهب والفضة. يجوز أيضًا المشاركة في الحفاظ على الشبكة إذا تم الإذن بذلك.

هناك تقنيات أخرى مثل تشومييون إي كاش وفيدي مينت تقدم خدمات مشابهة. إدخال بتكوين في هذه التقنيات للحصول على منافع قبل سحبه جائز، وجميع هذه التقنيات حلال طالما يمكن لصاحب بتكوين سحبه حسب الحاجة والرغبة دون عوائق.

٢٢) هل يجوز شراء ما يكون مستند لبتكوين لكن لا يمكن استلامه أو ما كان استناده متعلق بسعره لا لذاته؟

في مجال الحصول على بتكوين والتعامل به، نكتسب الفائدة العظمى في استخدامه كنقد للبيع والشراء، وهذا يتطلب أن يكون بمقدور المالك أخذه وامتلاكه في يده. أي شركة أو شخص يبيع بتكوين ومن ثم يمنع البائع من الحصول عليه، يعتبر هذا البيع حراماً. لا يجوز شراء شيء بشرط ألا تنتفع به، والمنفعة هنا تعني الاستفادة من الشيء نفسه، لا من القيمة المرتبطة بنوعه.

إذا دخلت في عقد بغرض دفع قيمة مقابل بتكوين ومن ثم تحقيق الربح من زيادة قيمته أو تحمل الخسارة من نقصانها، دون القبض الفعلي لبتكوين أو في حال عدم وجوده فعلياً، فهذا يشبه القمار في القصد وربا الفضل في عدم التقابض لأنه نقد. القمار محرم في الإسلام، وبالتالي يجب على المسلم تجنب هذه الأنواع من العقود التي تفتقد إلى التقابض الفعلي وتعتمد على التكهنات.

٢٣) قيل بأنّ النقد لا بد أن يكون له منفعة وليس في بتكوين أي منفعة بل هو ليس بشيء أصلاً. ما رأيك في ذلك؟

الذهب والفضة لهما منافع متعددة؛ يمكن استخدامهما للتبادل التجاري، وصناعة الحلي، وصناعة مختلف الأشياء. أما بتكوين، فمنفعته الأساسية تكون في استخدامه كوسيلة للتبادل واختزان القيمة للمستقبل. يمكن استخدامه أيضًا للرهن ولتبادل الخدمات عن بُعد.

هناك منافع أخرى لشبكة بتكوين ظهرت بعد إنشائها، مثل استقرار شبكات الكهرباء وزيادة الدخل للمناطق الفقيرة. في إنتاج الكهرباء، لا يمكن تخزين الفائض على نطاق صناعي، لكن يمكن استخدامه في تعدين بتكوين، مما يساعد في استقرار شبكة الكهرباء ويزيد الدخل والكفاءة. يمكن لتعدين بتكوين أن يجلب الكهرباء لأماكن كان من الصعب الوصول إليها اقتصاديًا، مثل الجزر الصغيرة والقرى النائية، ويعزز الدخل المحلي. مثال على ذلك جزر في إندونيسيا ذات مصادر حرارية بركانية يمكن استخدامها لتوليد الكهرباء، وبذلك تصبح مفيدة اقتصاديًا عند استخدامها في تعدين بتكوين.

فيما يتعلق بعدم امتلاك بتكوين لصفة المادية، فهناك كثير من الأشياء ذات القيمة والثمن التي لا تمتلك ذاتًا مادية، مثل البرمجيات المستخدمة في الجوالات والحواسيب، وكذلك الشعر والكتب التي تُباع عبر الأجهزة الإلكترونية مثل كيندل من آمازون.

٢٤) هناك من يقول بأنّ بتكوين لا قيمةَ له أو ليس له قيمة ذاتية فما رأيك في ذلك؟

قيمة الأشياء لا تكمن في ذاتها بل في المنافع والخصائص التي نستخرجها منها أو نعتبرها. الخصائص المختلفة لكل شيء تمنحه قيمته لدى الأفراد. على سبيل المثال، ندرة الذهب تعتبر خاصية مهمة يقدرها الناس، وهي تكون دورًا كبيرًا في تحديد قيمته في التجارة. لو زالت هذه الندرة، ستتأثر قيمة الذهب حتى لو لم يتغير الذهب نفسه. مثال آخر هو الفرق بين قيمة الكلب المعلم المدرب والكلب غير المعلَّم، حيث تكون قيمة الكلب المدرب أعلى بسبب خاصية التدريب.

في عصر العلم والتكنولوجيا الذي نعيشه الآن، هناك كثير من الأشياء التي تمتلك قيمة عالية دون أن تكون لها ذات مادية، مثل حقوق الملكية الأدبية، وبراءات الاختراع، والعلامات التجارية، وبرمجيات الكمبيوتر. قيمة بتكوين تستند إلى ما يُستخدم من أجله، مثل إرسال الأموال دون الحاجة إلى وسيط، تخزين الثروة والمال، الحماية من التضخم، وغيرها من المنافع. كلما ازدادت المنافع  ازدادت القيمة لدى الناس.

٢٥) هناك من يقول بأنّه لا يجوز استخدام أي نوع من النقود إلا الذهب والفضة وأنهما نقدان وحيدان في شريعة الإسلام ويجب الرجوع إليهم في معاملاتنا المالية إذ الشريعة متعلقة بهما فما رأيك في ذلك؟

هو صحيح، أن يقال بأن الكثير من أحكام الشريعة مرتبطة بالذهب والفضة، وقد تم ذكر الدينار والدرهم في القرآن والأحاديث النبوية. لكن، المهم هو فهم السياق والغرض من هذه الإشارات. الهدف ليس التركيز على الذهب والفضة كمواد محددة للتعامل المالي أو أنه أمر توقيفي تعبدي، بل إنها كانت الوسائل السائدة للتبادل التجاري في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.

ذكر الدراهم في سورة يوسف في قوله تعالى

وَشَرَوۡهُ بِثَمَنِ بَخْسِ دَرَٰهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا۟ فِیهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِینَ﴿ ٢٠

ذُكرتالدراهمفي سياق يعكس الوضع الاقتصادي والنقدي المعروف للعرب في ذلك الزمان فقط لأنَّ الدرهم لم يكن موجوداً في زمن يوسف فكأنه جاء بمعنى نقد رخيص أو نقد فضي. فبذلك يمكن أن نقول في قول الله تعالى

زُیِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلبَنِینَ وَٱلقَنَـٰطِیرِ ٱلمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلفِضَّةِ وَٱلخَیلِ ٱلمُسَوَّمَةِ وَٱلأَنعَـٰمِ

وَٱلحَرثِۗ ذَٰلِكَ مَتَـٰعُ ٱلحَیَوٰةِ ٱلدُّنیَا وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسنُ ٱلمَـٔابِ﴿ ١٤

بأنّ نعبر بــ:

زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ومليارات من الريالات والهلالات والسيارات الفاخرة والتجارات والفلات ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب

فإن مفهومالقناطير المقنطرةمن الذهب والفضة يرمز إلى النقود الكثيرة، وهكذا تتبدل المفاهيم مع تطور الزمن والظروف. وبالتالي، عندما نظهر أنواع جديدة من النقود مثل بتكوين، يمكن اعتبارها نقدًا وتطبق عليها أحكام النقود مثل الربا، التجارة، التبادل، والإرث، طالما تتمتع بالخصائص الضرورية للتبادل والتجارة مثل الندرة والقابلية للاستبدال.

جاء كثير من أحكام الشريعة متعلقة بالذهب والفضة نصاً لكن المراد به القيمة لا المادة. المعايير مثل نصاب الذهب، الفضة، الإبل، والشاة تعكس هذا الاعتبار، حيث تتساوى هذه الأشياء في القيمة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.